عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
256
اللباب في علوم الكتاب
هذا واجب على التخيير ، إن شاء صام ، وإن شاء أعطى الفدية ، وأما صوم رمضان ، فواجب على التعيين ؛ فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان . القول الثاني وهو اختيار المحقّقين ، وبه قال ابن عبّاس ، والحسن ، وأبو مسلم أن المراد بهذه الأيّام المعدودات هو صوم رمضان ، لأنّه قال في أوّل الآية الكريمة : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ » وهذا محتمل ليوم ويومين ، وأيّام ، ثم بينه بقوله « أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ » فزال بعض الاحتمال ، ثم بيّنه بقوله : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] فعلى هذا التّرتيب يمكن أن نجعل الأيّام المعدودات بعينها صوم رمضان ، وإذا أمكن ذلك ، فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النّسخ فيه ؛ لأنّ كل ذلك زيادة لا يدلّ عليها اللّفظ ، وأمّا تمسّكهم بقوله - عليه الصّلاة والسّلام - « صوم رمضان نسخ كلّ صوم » ، فليس فيه أنّه نسخ عنه ، وعن أمّته كلّ صوم ، بل يجوز أنّه نسخ كلّ صوم وجب في الشّرائع المتقدّمة ؛ فكما يصحّ أن يكون بعض شرعه ناسخا للبعض ، فيجوز أن يكون شرعه ناسخا لشرع غيره . سلّمنا أنّ صوم رمضان نسخ صوما ثبت في شرعه ، فلم لا يجوز أن يكون نسخ صوما وجب غير هذه الأيام . وأمّا تمسّكهم بحكم المريض والمسافر وتكرّره فجوابه : أنّ صوم رمضان كان في ابتداء الإسلام غير واجب ، وكان التّخيير فيه ثابتا بين الصّيام والفدية ، فلّما رخص للمسافر الفطر ، كان من الجائز أن يصير الواجب عليه الفدية ، ويجوز أن لا فدية عليه ، ولا قضاء ؛ للمشقّة . وإذا كان ذلك جائزا ، بيّن تعالى أنّ إفطار المسافر والمريض في الحكم خلاف [ التخيير في المقيم ؛ فإنّه يجب عليهما القضاء من عدّة أيّام أخر ، فلما نسخ اللّه تعالى ذلك التّخيير عن ] « 1 » المقيم الصّحيح ، وألزمه الصّوم حتما ، كان من الجائز أن يظن أنّ حكم الصّوم ، كمّا انتقل عن التخيير إلى التّضييق في حقّ المقيم الصّحيح أن يتغيّر حكم المريض والمسافر عن حكم الصّحيح ، كما كان قبل النّسخ ، فبيّن تعالى في الآية الثّانية : أنّ حال « 2 » المريض والمسافر كحالها الأولى لم يتغيّر بالنّسخ في حق المقيم الصّحيح ، فهذه هي الفائدة في الإعادة ، وإنّما تمسّكهم بأنّ صوم هذه الأيّام على التّخير وصوم رمضان واجب على التّعيين ، فتقدّم جوابه من أنّ رمضان كان واجبا مخيّرا ، ثم صار معّينا ، وعلى كلا القولين ، فلا بدّ من تطرّق النسخ إلى الأيّام أمّا على القول الأوّل فظاهر ، وأما على الثاني : فلأنّ هذه الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان واجبا مخيّرا ، والآية الكريمة التي بعدها تدلّ على التّضييق ؛ فكانت ناسخة للأولى . فإن قيل : كيف يصحّ أن يكون قوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة :
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : إدخال .